القرطبي
80
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الترمذي عنه عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة ، فصلى كل رجل منا على حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : " فأينما تولوا فثم وجه الله " . قال أبو عيسى : هذا حديث ليس إسناده بذاك ، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان ، وأشعث بن سعيد أبو الربيع يضعف في الحديث . وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا ، قالوا : إذا صلى في الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة ، وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق . قلت : وهو قول أبي حنيفة ومالك ، غير أن مالكا قال : تستحب له الإعادة في الوقت ، وليس ذلك بواجب عليه ، لأنه قد أدى فرضه على ما أمر ، والكمال يستدرك في الوقت ، استدلالا بالسنة فيمن صلى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم ، ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرق أو غرب جدا مجتهدا ، وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره . وقال المغيرة والشافعي : لا يحزيه ، لان القبلة شرط من شروط الصلاة . وما قاله مالك أصح ، لان جهة القبلة تبيح الضرورة تركها في المسايفة ، وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر . وقال ابن عمر : نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته . أخرجه مسلم عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ، قال : وفيه نزلت " فأينما تولوا فثم وجه الله " . ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله . ولا يجوز لاحد أن يدع القبلة عامدا بوجه من الوجوه إلا في شدة الخوف ، على ما يأتي . واختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله ، فمرة قال : لا يصلي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه . قال سحنون : فإن فعل أعاد ، حكاه الباجي . ومرة قال : إن كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ويستقبل القبلة .